الجصاص

349

أحكام القرآن

الحال فقد حصل الاتفاق على أن الرمي بالزنا مراد ، ولما كان كذلك صار بمنزلة قوله : والذين يرمون المحصنات بالزنا ، إذ حصول الاجماع على أن الزنا مراد بمنزلة ذكره في اللفظ ، فوجب بذلك أن يكون وجوب حد القذف مقصورا على القذف بالزنا دون غيره . وقد اختلف السلف والفقهاء في التعريض بالزنا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد بن شبرمة والثوري والحسن بن صالح والشافعي : " لا حد في التعريض بالقذف " . وقال مالك : " عليه فيه الحد " . وروى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال : " كان عمر يضرب الحد في التعريض " . وروى ابن وهب عن مالك عن أبي الرحال عن أمه عمرة : " أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال أحدهما للآخر : والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية ! فاستشار في ذلك عمر الناس ، فقال قائل : مدح أباه وأمه ، وقال آخرون : قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ، نرى أن يجلد الحد ، فجلده عمر الحد ثمانين " ، ومعلوم أن عمر لم يشاور في ذلك إلا الصحابة الذين إذا خالفوا قبل ، خلافهم فثبت بذلك حصول الخلاف بين السلف . ثم لما ثبت أن المراد بقوله : ( والذين يرمون المحصنات ) هو الرمي بالزنا لم يجز لنا إيجاب الحد على غيره إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها الاتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض ، وفي مشاورة عمر الصحابة في حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف وأنه قال اجتهادا ورأيا . وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة للمعاني ، وغير جائز إيجاب الحد بالاحتمال لوجهين ، أحدهما : أن الأصل أن القائل بريء الظهر من الجلد فلا نجلده بالشك والمحتمل مشكوك فيه ، ألا ترى أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته البتة استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم بالله ما أردت إلا واحدة فلم يلزمه الثلاث بالاحتمال ؟ ولذلك قال الفقهاء في كنايات الطلاق إنها لا تجعل طلاقا إلا بدلالة . والوجه الآخر : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " ، وأقل أحوال التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون شبهة في سقوطه . وأيضا قد فرق الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبيد التصريح فقال : ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم على الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا ) [ البقرة : 235 ] يعني نكاحا ، فجعل التعريض بمنزلة الإضمار في النفس ، فوجب أن يكون كذلك حكم التعريض بالقذف ، والمعنى الجامع بينهما أن التعريض لما كان فيه احتمال كان في حكم الضمير لوجود الاحتمال فيه . واختلف الفقهاء في حد العبد في القذف ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي والثوري والشافعي : " إذا قذف العبد حرا فعليه أربعون